الشيخ محمد رشيد رضا

377

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في جميع الأزمنة والأمكنة معذورين ناجين كالمؤمنين ، ألم تر أن التقليد قد أضل الألوف التي لا تحصى من المسلمين الذين صدق عليهم الحديث الصحيح « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع » فتركوا هداية الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح ، واتبعوا البدع المستحدثة فإذا دعوا إلى اللّه ورسوله : قالوا قال الشيخ فلان ، وفعل الولي الصالح فلان ، وهؤلاء أعلم وأهدى منا بالسنة والآن . وانما أمرهم اللّه أن يتبعوا ما أنزله إليهم نهاهم أن يتبعوا من دونه أولياء كما تقدم في صدر هذه السورة ، وما أضيع البرهان عند المقلد « * » وأما أهل النظر فمنهم من بلغته دعوة الرسول على وجهها أو على غير وجهها ومنهم من لم تبلغه ، وفي كل منهم من يبحث عن الحق ليتبعه ومن لم يبحث ذهب بعض المتكلمين إلى أن من بذل جهده في النظر والبحث والاستدلال على الحق فاتبع ما ظهر له أنه الحق بحسب ما وصلت اليه طاقته وكان مخالفا في شيء منه لما جاءت به الرسل لا يدخل في مدلول هذه الآية وأمثالها بل يكون معذورا عند اللّه تعالى لقوله ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) . وقد اشترطوا

--> ( * ) من لطائف الاتفاق أنه قد جاءني وأنا أفسر هذه الآية كتابان أحدهما من ( بنكوك - سيام ) في الشرق الأقصى والآخر من بعض بلاد اليمن يذكر في كل منهما عداوة بعض المقلدين للمنار ، بأنه يدعو إلى ما يخالف بل يح ويضلل ما جرى عليه الآباء والأجداد ، فأما ما عليه أهل سيام فمنه أن نساءهم يخرجن إلى الأسواق والمجامع عاريات الأجسام لا يسترن الا السوأتين ويشاركن البوذيين في لهوهم ولعب الميسر وفي حفلات عبادتهم في هياكلهم ، ومنه غير ذلك مما ذكر في باب فتاوي المنار - فهذا بعض ما جرى عليه الآباء والأجداد ، ولا يجري عليه الذين اهتدوا بالمنار إلى كتاب اللّه وسنة رسوله ( ص ) وسيرة السلف الصالح . وأما بلاد اليمن فان بعض العلويين من الحضارمة قد نشطوا في هذه السنين إلى بث دعوة غلو في التشيع ودعوى وجوب اتباع الناس لكل من ينسب إلى السلالة العلوية بناء على أن كل ما ورد في آل بيت النبي ( ص ) في عصره يشاركهم فيه ذراريهم إلى يوم القيامة وان كانوا من أجهل الناس بدين اللّه وأبعدهم عن الاهتداء به : وهم لا يدعون إلى مذهب مدون كمذهب الزيدية أو الامامية بل إلى فوضى في الدين لاحد لها : وقد قامت قيامة الناس عليهم في جاوه وسنغافوره وغيرها من البلاد التي يبثون فيها هذه الدعاوي الجهلية وكلهم يكرهون المنار طبعا ويصدون عنه . . فهذه عواقب ضلالة التقليد